6 سبتمبر، 2026

عندما يُقتَل المؤلف، يُولَد القارئ.

كتابة : رشيد  السليماني

ثمة لحظة في تاريخ الفكر الأدبي يتوقف فيها النص عن أن يكون ملكا لصاحبه. تلك اللحظة صاغها رولان بارت عام 1967 في مقالته المشهورة  “موت المؤلف”، لكنها لم تكن يوما مجرد إعلان وفاة رمزي، وإنما كانت إعادة توزيع للسلطة: من يملك حق قول “ماذا يعني هذا النص؟” – هل يملك السلكة من كتبه، أم من يقرأه؟
منذ نهاية القرن التاسع عشر، ساد تصور بسيط في ظاهره، خطير في أثره: النص وعاء يحمل قصدا مسبقا ، والقراءة مجرد عملية استخراج لهذا القصد المطمور في ذهن الكاتب. الناقد، وفق هذا التصور، لا يبتكر شيئا . ينبش. مهمته أثرية لا إبداعية، تفكيك طبقات النص للوصول إلى النية الأصلية كما لو كانت سرا مدفونا ينتظر من يستخرجه سليما كما هو في قلب الكاتب.
لكن هذا اليقين بدأ يتصدع منذ عشرينيات القرن الماضي، حين شرعت المدرسة الشكلانية الروسية في فصل النص عن صاحبه، ثم جاء النقاد الجدد في أمريكا لينحتوا  مصطلحا حاسما هو “المغالطة القصدية” . خلاصته أن معرفة نية الكاتب هي  أمر متعذرا ، وهي أصلا غير ضرورية لفهم النص. حين يكتب النص، ينفصل مباشرة  عن كاتبه .
هنا يأتي بارت ليمضي بالفكرة إلى أقصاها. حيث يرى انه مدام النص أسير الوصاية الأبوية لكاتبه، يظل مغلقا، محكوما بسلطة واحدة تحتكر تأويله. أما حين يقطع هذا الحبل السري، فإن القارئ لا يعود مجرد متلق سلبي يستهلك معنى جاهزا، وانما يتحول إلى منتج فعلي للدلالة. القراءة، في هذا المنظور، ليست استرجاعا . إنها إنتاج. ليست فك شيفرة ، إنها كتابة ثانية للنص.
غير أن هذا التحرر حمل في طياته اشكالا كبيرا . فإن كان كل تأويل منتجا شرعيا، فما الذي يمنع النص من أن يقول أي شيء؟ وهنا يتدخل أومبيرتو إيكو ليضع حدودا لهذا الانفلات التأويلي، عبر تمييز ثلاثي دقيق يستحق التأمل.
القصد الأول هو قصد المؤلف . وهو مسار لا يرفضه إيكو كليا، إنما يعترف بجدواه في حالات بعينها، خصوصا حين يتعمد الكاتب إخفاء معنى في طيات نصه. القصد الثاني، وهو الأهم منهجيا، هو قصد العمل ذاته . إذ لا يعود البحث منصبا على ما دار في ذهن الكاتب، بل على الاتساق الداخلي للنص، على ما يقوله النص بذاته حين يوضع في سياق اللغة التي كتب بها. هذا المسار أوسع من الأول، لكنه يظل مقيدا بمنطق النص نفسه . النص يفرض قواعد لعبته، ولا يمكن تجاوزها دون الوقوع فيما يسميه إيكو التأويل المفرط ، أي القراءة التي تسقط على النص ما ليس فيه أصلا، لمجرد أن القارئ أراد ذلك.
القصد الثالث هو قصد القارئ ، أي الدلالة التي يبنيها كل قارئ انطلاقا من تجربته الخاصة، حين يسقط على النص ما يبحث عنه هو، لا ما يحمله النص بالضرورة. وهنا يقترب أنطوان كومپانيون من موقف مشابه، إذ يفصل بين ما يمكن أن يستمد من النص مباشرة، وبين المعنى الذي يولد من لقاء النص بالتجربة الشخصية لكل قارئ – معنى لا يوجد في النص وحده، ولا في القارئ وحده، بل في التقاء الاثنين.
الخلاصة أن العمل الأدبي يحافظ على تماسك بنيوي ما، لكن ما ينتجه هذا العمل فيك اليوم لا صلة له بما كان ينتجه عند قارئ عاش قبل قرن. وهذا بالضبط جوهر ما أراده بارت. فإذا ظل النص أسير نية صاحبه، مات معه، ولم يعد قادرا على قول شيء جديد. أما إذا قبلنا بإسكات المؤلف ، لا محوه،  وحررنا النص من احتكاره ،فإنه  يستمر في إنتاج المعنى مع كل قراءة، في كل عصر، عند كل قارئ، وفي كل جماعة تأويلية.موت المؤلف، إذن، ليس عدما. إنه ولادة. ولادة قارئ لم يعد يستجدي الإذن ليفهم، وإنما صار شريكا كامل الأهلية في صناعة المعنى . على أن يظل هذا الشريك، كما ذكرنا إيكو، محكوما بأخلاقيات القراءة لا بفوضاها.
منصة الكتاب المغاربة
عرض الصورة كاملة

دعم الموقع

يسعدنا اهتمامك بدعم استمرار المنصة وتطوير محتواها.

نتائج البحث