عبد الكبير الخطيبي: حين يصبح النقد مزدوجاً

حين نتحدث عن علاقة الفكر العربي بالغرب، يميل الخيال الشائع إلى وضعنا أمام معسكرين فقط: إما الانبهار الكامل بالحداثة الغربية ورفض الذات، أو التقوقع الدفاعي في هوية “أصيلة” مغلقة ترى في كل احتكاك بالآخر تهديداً. جاء المفكر والروائي المغربي عبد الكبير الخطيبي (1938-2009) ليرفض هذا الخيار الثنائي بالكامل، مقترحاً بدلاً منه مساراً ثالثاً أكثر تعقيداً وجرأة، أطلق عليه اسم “النقد المزدوج“.
ما هو النقد المزدوج؟
بلوَر الخطيبي هذا المفهوم بشكل تأسيسي في كتابه المرجعي “المغرب المتعدد“ (1983)، وقام على وظيفتين متلازمتين لا تنفصلان:
- الأولى: نقد وتفكيك الخطاب الكولونيالي والإمبريالي الغربي، القائم على تمركز إثني حول الذات الغربية (Ethnocentrisme) وأساطيرها عن نفسها وعن “الآخر” الشرقي.
- الثانية: توجيه النقد نفسه، بنفس الصرامة، نحو الخطاب الذي تبنيه الثقافة العربية الإسلامية عن ذاتها — خطاب غالباً ما يقوم على الانغلاق، وعلى فكرة “الهوية الطاهرة أو النقية” التي اعتبرها الخطيبي مفهوماً ميتافيزيقياً زائفاً، مبنياً على أوهام الأصل الواحد والوحدة والفرادة.
بهذا المعنى، لم يكن الخطيبي يكتفي بعكس نظرة الاستشراق التقليدي (الذي يختزل الشرق في صورة نمطية يرسمها الغرب)، بل ذهب أبعد من ذلك: رفض أن يقابل هذا الاختزال باختزال مضاد — أي رفض استبدال “استشراق غربي عن الشرق” بـ”استغراب شرقي مضاد عن الغرب” لا يقل تسطيحاً. كان يريد نقداً يعترف بأن “الآخر يعيش فينا، ونحن نعيش فيه”، لا نقداً يكتفي بقلب الاتهام في الاتجاه المعاكس.
مواجهة مباشرة مع المؤسسة الفكرية الغربية
لم يكن نقد الخطيبي للغرب نقداً نظرياً بعيداً؛ فقد خاض مواجهة فكرية علنية حين نشر سنة 1974 كتابه “الصهيونية والضمير غير السعيد“، الذي ضمّ مقالته الشهيرة “دموع سارتر“. أثار الكتاب جدلاً واسعاً في فرنسا نفسها، ووُجّه للخطيبي نقد لاذع من اليمين واليسار الفرنسيين معاً بسبب مواقفه الجريئة الناقدة لإسرائيل ولموقف سارتر منها. هذه الحادثة تُجسّد بدقة جوهر مشروعه: لم يكن يخاطب الغرب من موقع الخضوع أو الرفض المطلق، بل من موقع الندّ الذي يحاور وينتقد في آن.
الحوار لا القطيعة
من المفارقات اللافتة في مسار الخطيبي أنه، رغم نقده الحاد للمركزية الغربية، ظل في حوار فكري وثيق مع كبار فلاسفة فرنسا في زمنه: نيتشه وهايدغر بوصفهما مرجعيتين نظريتين، وجيل دولوز وجان فرانسوا ليوتار وميشيل فوكو وجوليا كريستيفا. لكن العلاقة الأعمق كانت مع جاك دريدا، الذي جمعته به صداقة فكرية وإنسانية امتدت سنوات طويلة، وقد اعترف الخطيبي بنفسه بالتقارب بين مشروعه النقدي ومشروع دريدا في تفكيك الميتافيزيقا الغربية — مع فارق جوهري: أن الخطيبي وجّه أدوات هذا التفكيك نحو الفكر العربي أيضاً، لا نحو الغرب وحده.
فكر الاختلاف بدل الهوية المغلقة
خلاصة مشروع الخطيبي أنه لم يكن يبحث عن “أنا” متجانسة تُواجه “آخر” غربياً متجانساً بدوره. كان يقترح ما سمّاه “فكر الاختلاف“: رؤية متعددة، لا مركزية، تقاوم كل أشكال الاحتواء — سواء كان احتواءً كولونيالياً باسم التفوق الحضاري الغربي، أو احتواءً هوياتياً باسم النقاء الديني أو العرقي أو اللغوي. بهذا، ظل فكر الخطيبي، كما يصفه كثير من الباحثين اليوم، “سابقاً لعصره“ — مشروعاً لم يُستوعب بالكامل بعد، ولا يزال يطرح على القارئ العربي المعاصر السؤال نفسه: كيف نفكر في أنفسنا وفي الآخر معاً، دون أن نقع في فخّ أيٍّ من المرآتين المشوَّهتين؟