الجسد الذي يُقاس والهوية التي تُصنَع

حين يلتقي المَخْبَرُ بالفلسفة.
كتب : مراد الهيسي
في عام 1949، كتبت سيمون دو بوفوار في كتابها “الجنس الآخر” جملتها التي تحولت إلى ما يشبه العقيدة التأسيسية للفكر النسوي المعاصر: “لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك”. كانت هذه الجملة، حين صدرت، أشبه بزلزال فلسفي: فهي لا تنفي وجود جسد أنثوي بيولوجي، بل تفصل بين هذا الجسد وبين “المرأة” بوصفها كائنا اجتماعيا مشكلا بالتربية والعادة والتوقع الجمعي. اللافت أن العلم، بعد أكثر من سبعين عاما، يبدو وكأنه يعيد اكتشاف هذا التمييز نفسه، لكن من بوابة أخرى تماما: بوابة المختبر لا بوابة الفلسفة.
فحين يتحدث علم الأحياء اليوم عن “الجنس” (sexe)، فإنه لا يختزله في سمة بيولوجية واحدة. ففي البيولوجيا التناسلية يرتبط التمييز بين الذكر والأنثى، في أساسه، بنوع الأمشاج التي ينتجها الجهاز التناسلي: فالأنثى تنتج خلايا تناسلية أو أمشاجا كبيرة غير متحركة هي البويضات، بينما ينتج الذكر خلايا تناسلية أوأمشاجا صغيرة متحركة هي الحيوانات المنوية. غير أن توصيف الجنس البيولوجي لدى البشر لا يعتمد على الأمشاج وحدها، بل يشمل مجموعة من الخصائص المترابطة، من بينها الكروموسومات والجينات والغدد التناسلية والهرمونات والأعضاء التناسلية والصفات الجنسية الثانوية. وغالبا ما تتوافق هذه الخصائص ضمن نمطين رئيسيين، ذكري وأنثوي، لكنها لا تتطابق في جميع الحالات. فثمة تنوعات خلقية في الخصائص الجنسية تجعل بعض الأشخاص يولدون بخصائص كروموسومية أو غدية أو هرمونية أو تشريحية لا تنسجم تماما مع الأنماط النموذجية للذكر أو الأنثى؛ ويشار إليهم، في أحد الاستعمالات المعاصرة، باسم أشخاص ذوي تنوعات في الخصائص الجنسية (personnes intersexes). وتختلف التقديرات العددية لهذه الحالات بحسب التعريف والمعايير المعتمدة، إذ تتراوح في بعض المراجع بين نحو 0.05٪ و1.7٪ من السكان. ومن ثم، فالأدق علميا ليس القول إن “الجنس البيولوجي طيف” بالمعنى البسيط، بل إن الخصائص الجنسية متعددة الأبعاد، وتتوافق في الغالب ضمن نمطين رئيسيين مع وجود تنوعات بيولوجية فعلية بين الأفراد.
أما حين ننتقل من “الجنس” إلى “النوع الاجتماعي” (genre)، فننتقل من الخصائص البيولوجية إلى مستوى مختلف من التحليل. فالنوع الاجتماعي يشير إلى الأدوار والمعايير والسلوكيات والصفات والعلاقات التي يبنيها المجتمع ويربطها بالنساء والرجال والفتيات والفتيان، وهي تختلف من مجتمع إلى آخر وتتغير عبر الزمن. وهو بهذا المعنى يختلف عن الجنس البيولوجي، كما يختلف عن “الهوية الجندرية” (identité de genre)، التي تشير إلى الخبرة الداخلية والفردية التي يعيش بها الشخص انتماءه الجندري، والتي قد تتوافق أو لا تتوافق مع الجنس المسند إليه عند الولادة. وهنا يمكن أن تتقاطع لغة العلوم الاجتماعية مع لغة بوفوار: فما تصفه الدراسات المتعلقة بالنوع الاجتماعي من أدوار وتوقعات ومعايير اجتماعية مكتسبة يلتقي، على مستوى معين، مع قول الفيلسوفة إن المرأة لا تحددها البيولوجيا وحدها، بل تسهم التربية والثقافة والعلاقات الاجتماعية في تشكيل موقعها وهويتها الاجتماعية. فالجسد يحمل معطيات بيولوجية، أما كثير من الأدوار والتوقعات والمعاني الاجتماعية المرتبطة به فتبنى وتتعلم ويعاد إنتاجها عبر التنشئة الاجتماعية.
والدليل الأقوى على أن كثيرا من الأدوار والمعايير الجندرية ليست ثوابت طبيعية هو اختلافها عبر الزمان والمكان. ففي فرنسا مثلا ، صدر سنة 1800 أمر عن محافظة شرطة باريس يتعلق بلباس النساء، وكان يشترط على المرأة التي تريد ارتداء لباس كان يعد آنذاك خاصا بالرجال الحصول على إذن من الشرطة. والأدق تاريخيا وقانونيا أنه لم يكن “قانونا يجرم ارتداء النساء لملابس الرجال” بالمعنى التشريعي الحديث، كما أنه لم يلغ رسميا سنة 2013؛ بل أكدت وزارة حقوق المرأة الفرنسية في جواب رسمي منشور في 31 يناير 2013 أن هذا الأمر أصبح ملغى ضمنيا بفعل تعارضه مع المبادئ القانونية اللاحقة للمساواة بين النساء والرجال، وأنه أصبح مجرد وثيقة أرشيفية منزوعة الأثر القانوني. وهذا المثال يبين كيف يمكن لما يقدم في مرحلة تاريخية باعتباره قاعدة مرتبطة بالأنوثة أو الذكورة أن يكون في حقيقته تنظيما اجتماعيا وقانونيا قابلا للتغير.
وفي المقابل، عرفت بعض المجتمعات البولينيزية، ومنها هاواي وتاهيتي، تقاليد وهويات جندرية مثل “ماهو” (māhū)، وهي فئة ثقافية محلية لها تاريخها ودلالاتها الخاصة ولا يمكن إسقاط المفاهيم الغربية المعاصرة للهوية العابرة جندريا أو الهوية غير الثنائية عليها بصورة آلية. ويكفي وجود مثل هذه التصورات المختلفة للجندر وأدواره عبر الثقافات لإظهار أن القواعد الاجتماعية المتعلقة بالذكورة والأنوثة ليست واحدة في جميع المجتمعات ولا ثابتة عبر التاريخ. وهذا التفاوت الحضاري يدعم فكرة أن جانبا مهما مما تفهمه المجتمعات بوصفه “أنوثة” أو “ذكورة” يتشكل ثقافيا وتاريخيا، ولا يفسر بمجرد الخصائص البيولوجية.
ولعل أكثر ما يبرز ضرورة الفصل بين هذه المستويات هو سؤال العابرية الجندرية (transidentité) الذي يطرحه الخطاب المعاصر. فالهوية الجندرية لا تعني الجنس البيولوجي نفسه، كما أن كون الشخص عابرا جندريا لا يعني أنه “يختار” هويته ببساطة أو ينتقل إراديا بين هويتين. والمقصود بالعابرية الجندرية، بصورة عامة، أن تكون الهوية الجندرية التي يعيش بها الشخص أو يعرف بها نفسه مختلفة عن الجنس الذي أسند إليه عند الولادة. أما الأشخاص غير الثنائيين، فقد يعرف بعضهم نفسه خارج التصنيف الحصري “رجل/امرأة” أو في موقع لا يطابق أحد القطبين بصورة كاملة. ومن منظور فلسفي، يمكن قراءة هذه الخبرات في ضوء السؤال الذي طرحته بوفوار عن العلاقة بين الجسد والهوية والصيرورة، لكن لا يصح اعتبارها تطبيقا حرفيا لأطروحتها، لأن مفاهيم الهوية الجندرية والعابرية الجندرية المعاصرة لها سياقات نظرية وطبية واجتماعية لم تكن هي موضوع كتابتها المباشر.
غير أن هذا التقاطع بين المعطى العلمي والموقف الفلسفي لا ينبغي أن يقرأ كتطابق بينهما. فبوفوار كانت تتحدث من موقع فلسفي وجودي واجتماعي، وترى في “الصيرورة” عملية تشكل تتدخل فيها التربية والثقافة والعلاقات الاجتماعية، بينما تصف علوم الأحياء تنوع الخصائص الجنسية من منظور بيولوجي وتجريبي. لذلك لا يمكن القول إن اكتشاف التنوعات الكروموسومية أو الغدية أو الهرمونية “يثبت” أطروحة بوفوار تجريبيا؛ فهذه التنوعات تتعلق بالجنس البيولوجي، في حين تتعلق عبارتها أساسا بكيفية تشكل المرأة اجتماعيا وتاريخيا. لكن المعطيات العلمية المعاصرة تجعل التصورات الاختزالية التي تربط الكروموسومات أو التشريح أو الهوية الاجتماعية في سلسلة واحدة حتمية أكثر صعوبة، لأنها تظهر أن الجنس البيولوجي نفسه يتكون من خصائص متعددة قد لا تتوافق كلها بالطريقة النموذجية لدى جميع الأفراد. وهكذا يمكن للعلم والفلسفة أن يتقاطعا في مساءلة بعض التصورات المبسطة، من دون أن يعني ذلك أن أحدهما يقدم برهانا مباشرا على الآخر.
وهكذا، حين يلتقي مخبر البيولوجيا بمكتب الفيلسوفة، لا نحصل على تطابق بين العلم والفلسفة، بل على مستويين مختلفين يكشف كل منهما جانبا من المسألة: فالبيولوجيا تصف الخصائص الجنسية وآليات تطورها وتنوعاتها، بينما تدرس الفلسفة والعلوم الاجتماعية المعاني والهويات والأدوار التي تبنيها المجتمعات حول تلك الخصائص. الجسد يحمل معطيات بيولوجية حقيقية، لكن الهوية الاجتماعية والأدوار والمعاني المرتبطة به لا تستنفدها البيولوجيا وحدها؛ فهي تتشكل أيضا داخل التاريخ والثقافة والعلاقات الاجتماعية، وتظل قابلة للتغير وإعادة الصياغة.
مصادر ومراجع:
- دو بوفوار، سيمون، الجنس الآخر، ترجمة سحر سعيد، ج1–2، الرحبة للنشر والتوزيع، دمشق، 2015.
- – بوحناش، عائشة، «أثر الجندر في تشكيل الذات: قراءة في كتابي “الجنس الآخر” لسيمون دي بوفوار
- “الاختلاف في الثقافة الإسلامية: دراسة جندرية” لآمال قرامي»، مجلة الحكمة للدراسات الأدبية واللغوية، ع. 10، 2017، ص 71–90.
- الأمم المتحدة، مبادئ توجيهية في سبيل صياغة شاملة جنسانيا باللغة العربية، الأمم المتحدة، قسم التواصل العالمي، مورد مرجعي في التمييز الاصطلاحي بين الجنس (Sex) والنوع الاجتماعي/الجنسانية (Gender).
- مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، سلسلة نشرات إعلامية حول الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية: المثليات والمثليون ومزدوجو الميل الجنسي ومغايرو الهوية الجنسانية وثنائيو الجنس، الأمم المتحدة، جنيف.