6 أكتوبر، 2026

بين الواقعية الصامتة والواقعية الثورية – عبد المجيد طعام

ليست الواقعية موقفا واحدا من الحياة، وليست مجرد طريقة في وصف الناس والأحداث. فقد يرى الكاتب الفقر والظلم والتهميش والعنف والفساد وتفاوت الفرص، ويصف هذه الظواهر بدقة كبيرة، لكنه قد يتوقف عند حدود الوصف فقط. عندها يصبح النص صورة للواقع دون أن يكون بحثا في أسبابه أو محاولة لفهم إمكان تغييره.

هنا تظهر الواقعية الصامتة أو الانهزامية. إنها ترى المأساة لكنها لا تسأل عن أسبابها، وتصف التناقض لكنها لا تكشف القوى التي تنتجه وتحافظ عليه. تنقل معاناة الإنسان، لكنها تتركه في موقع العاجز، وكأن الواقع أمر ثابت لا يمكن تجاوزه.

في المقابل، توجد واقعية نقدية وثورية لا تكتفي بالنظر إلى سطح الأحداث، بل تبحث عن البنية التي تقف خلفها. تسأل عن المصالح، وعلاقات القوة، والمؤسسات، والقوانين، والأفكار التي تجعل واقعا معينا ممكنا ومستداما. وهي لا ترى الواقع قدرا نهائيا، بل نتيجة تاريخية يمكن فهمها وتعديلها وتغييرها.

تكمن المفارقة هنا في أن الواقعية ليست دائما موقفا تقدميا. فقد يكون الكاتب واقعيا جدا، لكنه محافظ ومستسلم لما هو قائم. وقد يكون واقعيا وفي الوقت نفسه ناقدا للواقع وساعيا إلى تغييره. فالمشكلة ليست في وصف الواقع، بل في الطريقة التي نفهمه بها والأسئلة التي نطرحها بعد ذلك.

تعني الواقعية في معناها العام الاهتمام بالعالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. لذلك تنطلق من الحياة اليومية ومن تجارب الناس وعلاقاتهم داخل الأسرة والعمل والمدرسة والإدارة والمدينة والقرية. تهتم بالفقر والمرض والهجرة والصراع الاجتماعي والأحلام المؤجلة، لكنها لا تعني النقل الآلي للواقع.

فالكاتب ليس آلة تصوير. إنه يختار التفاصيل ويربط بينها ويمنحها معنى. وقد تجعل شخصية واحدة تجربة اجتماعية كاملة مرئية، وقد يكشف حدث بسيط عن مشكلة أوسع. لذلك لا تكفي كثرة التفاصيل لصناعة نص واقعي عميق، فقد يكون النص غنيا بالوصف لكنه فقير في الفهم.

الواقعية الحقيقية لا تسأل فقط: ماذا حدث؟ بل تسأل أيضا: لماذا حدث؟ من المستفيد من استمراره؟ من يدفع ثمنه؟ وما الذي يمنع تغييره؟ فالوصف بداية الطريق، لكنه ليس نهاية التفكير.

الواقعية الصامتة تكتفي غالبا بعرض المشكلات كما لو كانت ظواهر طبيعية لا علاقة لها بالقرارات البشرية أو بالنظم الاجتماعية. يظهر الفقر كحالة مؤلمة فقط، لا كنتيجة لاختلال توزيع الثروة والفرص. ويظهر الفشل كضعف فردي، لا كنتاج لظروف تعليمية واجتماعية معقدة.

في هذا النوع من الواقعية يتحول الإنسان إلى متفرج على حياته. يعاني، لكنه لا يفهم مصدر معاناته. يشعر بالعجز، لكنه لا يرى أن هذا العجز قد يكون مرتبطا بسياسات أو مؤسسات أو أفكار قابلة للنقد والتغيير.

ومن أبرز سمات هذه الواقعية الاكتفاء بالوصف، حيث يهتم الكاتب بالمكان والشخصيات والتفاصيل اليومية، لكنه لا ينتقل إلى تحليل الأسباب والسياقات. فيتأثر القارئ بالمشهد، لكنه لا يخرج بالضرورة بفهم أعمق للظاهرة.

كما أنها تحول الواقع إلى قدر محتوم. فعندما تغيب الأسئلة حول الأسباب، يصبح الفقر والظلم والفساد والفشل وكأنها أمور طبيعية لا يمكن مقاومتها. وقد يؤدي الصمت عن الجذور إلى قبول النتائج والتكيف مع المأساة بدل البحث عن تجاوزها.

كذلك يغيب فيها الفعل. قد تنتهي الحكايات بالهزيمة أو الرحيل أو الاستسلام، وتظهر الشخصيات وهي تعاني دون أن تبحث عن إمكانات للتغيير. لكن النهاية الحزينة لا تعني دائما أن النص انهزامي، فقد تكون وسيلة لكشف قسوة الواقع. الفرق هو: هل تكشف النهاية أسباب الهزيمة؟ أم تجعلها تبدو قدرا نهائيا؟

أما الواقعية النقدية فلا ترفض الواقع، بل ترفض فهمه بطريقة سطحية. تبدأ من الواقع نفسه، لكنها تبحث عن حركته الداخلية. فهي ترى أن الأحداث ليست منفصلة، وأن كل مشكلة لها تاريخ وشروط وعلاقات تنتجها.

فالبطالة مثلا ليست مجرد غياب العمل، بل قد ترتبط بالتعليم، وسياسات الاقتصاد، وتفاوت التنمية بين المناطق، وطبيعة سوق الشغل. والهجرة ليست مجرد رغبة في الرحيل، بل قد تكون نتيجة للفقر أو انسداد الأفق أو فقدان الثقة في المستقبل.

لهذا تنتقل الواقعية النقدية من الظاهر إلى الباطن. لا تهمل التفاصيل، لكنها تستخدمها لفهم المعنى الأوسع. فقد تكشف قصة فرد واحد مشكلة تخص فئة كاملة، وقد تكشف تجربة أسرة واحدة خللا في نظام اجتماعي بأكمله.

ومن أهم أسئلتها: من يملك القرار؟ من يضع القواعد؟ من يملك الموارد والمعرفة؟ من يملك حق الكلام؟ ومن يتم تهميشه أو إسكات صوته؟

فالقوة لا تظهر دائما في شكل عنف مباشر, قد توجد في القانون والإدارة واللغة والعادات وطريقة توزيع الفرص. لذلك لا تكتفي الواقعية النقدية بذكر الضحية، بل تبحث في النظام الذي ينتج الضحايا. وتكشف التناقضات بين الخطاب والممارسة. فقد ترفع مؤسسة شعار المساواة بينما تنتج التمييز، وقد يتحدث المجتمع عن تكافؤ الفرص بينما يحصل البعض على امتيازات أكبر. هذه التناقضات تكشف الفجوة بين القيم المعلنة والواقع الفعلي.

الواقعية الثورية لا تقدم حلولا جاهزة، ولا تحول الأدب أو الفكر إلى خطاب سياسي مباشر. قوتها في أنها تجعل الواقع قابلا للفهم والنقاش. فعندما يدرك الإنسان أن المشكلة ليست قدرا، يكتشف إمكان تغييرها.

قد يبدأ التغيير من الفرد، وقد يكون جماعيا. وقد يأتي عبر التعليم أو التنظيم أو الوعي أو القانون أو العمل المدني. المهم أن لا تتحول الهزيمة إلى نهاية التفكير. فالواقعية النقدية لا تعد بانتصار سريع، لكنها ترفض اعتبار الواقع أمرا مغلقا. إنها واقعية لأنها تنطلق من الموجود، ومتحركة لأنها تؤمن بإمكان التحول.

ودور الكاتب أو المثقف لا يقتصر على تسجيل ما يحدث، وإنما يمتد إلى مساعدة المجتمع على فهم ما يحدث. يستطيع أن يمنح المهمشين صوتا، وأن يكشف ما تخفيه اللغة الرسمية، وأن يوضح أن المعاناة الفردية قد تكون مرتبطة بظروف عامة لا باختيارات شخصية فقط.

لكن الواقعية النقدية تحتاج أيضا إلى فهم تعقيد الإنسان. فالإنسان قد يكون ضحية ومشاركا في الظلم في الوقت نفسه، وقد يكون ضعيفا وقادرا على المقاومة. لذلك تحتاج الشخصيات الواقعية إلى العمق، لا إلى التقسيم البسيط بين الخير والشر. كما تحتاج إلى لغة واضحة وقريبة من الناس. فالنقد لا يصبح أكثر قوة بالغموض، بل بقدرته على جعل الأفكار مفهومة ومؤثرة.

يمكن بناء الواقعية النقدية عبر ثلاث خطوات مترابطة: رؤية الواقع، ثم تفسيره، ثم فتح طريق للفعل. في البداية تأتي المعرفة. فالنقد يحتاج إلى الوقائع، إلى الاستماع للناس، ودراسة الأحداث، وفهم التفاصيل. وبعد ذلك يأتي التفسير، حيث ننتقل من سؤال: ماذا يحدث؟ إلى سؤال: لماذا يحدث؟ فنربط الظاهرة بتاريخها ومؤسساتها وشروطها الاجتماعية. ثم تأتي مرحلة الفعل. ليس المطلوب دائما تقديم برنامج كامل للتغيير، فقد يكون الفعل في نشر الوعي، أو كشف مشكلة مخفية، أو تغيير طريقة التفكير، أو دفع الناس إلى المشاركة والتنظيم.

لهذا لا تكمن قيمة الواقعية في أنها تقول لنا: هذا هو الواقع كما هو فقط، بل قيمتها الحقيقية تكمن في أنها تدفعنا إلى التساؤل: كيف أصبح الواقع على هذه الصورة؟ من يستفيد ؟ من يدفع الثمن؟ وما الذي يمكن فعله حتى يصبح الواقع أكثر عدلا وإنسانية؟