الزمن اليومي والذاكرة الحضرية. نحو فلسفة مغربية للعيش المشترك في المدينة المعاصرة

كتب: يوسف المنصوري / قلعة السراغنة
غالبا ما نسأل عن الفكر المغربي من زاوية الأسئلة الكبرى: الحداثة، التجديد، العقلانية، والعلاقة بالتراث. وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية، وهو أكثر قربا من التجربة المعيشة: كيف يعيش المغاربة الزمن داخل المدينة؟ وكيف تحفظ المدينة ذاكرتهم الجماعية؟ وهل يمكن أن تتحول ممارسات الحياة اليومية إلى أساس لأخلاق العيش المشترك؟
إن الحديث عن الزمن اليومي لا يعني وصفا لعادات الأفراد فحسب، وإنما محاولة لفهم المدينة بوصفها فضاء ينتج فيه المعنى. فالسوق، المقهى، الحي، المدرسة، وسائل النقل، والمسجد ليست أماكن وظيفية فقط. إنها مواقع يتقاطع فيها الزمن الفردي مع الزمن الجماعي، وتتشكل فيها الذاكرة، وتختبر حدود القرب والغربة والاعتراف المتبادل. وقد جعل هنري لوفيفر من الحياة اليومية موضوعا فلسفيا قائما بذاته، إذ رأى فيها مجال التقاطع بين القوة والعجز، وبين ما يتحكم فيه الإنسان وما يفلت من سيطرته، كما اعتبر الفضاء نتاجا اجتماعيا يتجاوز كونه إطارا ماديا للنشاط الإنساني.
من هنا، نقترح فلسفة مغربية تستفيد من النصوص الكبرى وتنطلق من تجربة المدينة المغربية المعاصرة: من ضجيج السوق إلى صمت الجامع، ومن ازدحام الحافلة إلى لقاء الجيران، ومن ذاكرة الأحياء القديمة إلى تحولات الأحياء الجديدة. فالمدينة المغربية تتجاوز دورها بوصفها خلفية للفكر لتصبح واحدة من مصادره.
الزمن اليومي والذاكرة الحضرية
يعيش الفرد اليوم بين زمنين متباينين: زمن رسمي منظم بالساعة والجدول والإدارة، وزمن يومي أكثر مرونة يتشكل وفق الحاجة والصلة والانتظار. ففي المدينة المغربية، لا يقاس الوقت دائما بالدقائق. يقاس أحيانا بما بعد الصلاة، أو وقت خروج الأطفال من المدرسة، أو وقت هدوء السوق، أو ساعة القهوة.
هذا الزمن اليومي يمثل نظاما زمنيا مختلفا، ولا يصح اختزاله في صورة من صور التأخر عن الحداثة. فهو زمن يمنح الأولوية للعلاقة على الإنجاز، وللحضور على السرعة، وللصلة الإنسانية على الفصل الوظيفي. حين يجلس شخص في مقهى الحي، فهو لا يستهلك مشروبا فحسب، إنه يشارك في إيقاع جماعي: يتبادل التحية، ويتابع أخبار الجيران، ويسمع نقاشا سياسيا أو اجتماعيا، ويؤكد حضوره في شبكة من العلاقات.
غير أن هذا الزمن مهدد. فتوسع العمل غير المستقر، وطول التنقل، وتحول الخدمات إلى تطبيقات رقمية، وتراجع المساحات العامة، كلها عوامل تنتج زمنا أكثر فردية وتقطيعا. يصبح الفرد في حركة دائمة بين البيت والعمل والطريق، مع تراجع قدرته على التوقف والمشاركة. وهنا تظهر إشكالية فلسفية: هل تنتج المدينة المعاصرة وقتا للعيش المشترك، أم وقتا للبقاء على قيد الحياة فقط؟
إن نقد الحياة اليومية، كما طوره لوفيفر، يذكرنا بأن الروتين ليس بريئا؛ فقد يخفي أشكالا من الهيمنة والاستهلاك والاغتراب، ويحتمل أيضا إمكانات المقاومة والتغيير. وفي السياق المغربي، يمكن أن يكون الزمن اليومي ساحة صراع بين منطق السرعة والإنتاج، ومنطق الصلة والانتماء.
المدينة تحفظ الذاكرة في المتاحف وفي جدرانها وأزقتها وأسمائها وأصواتها. فاسم حي، أو مقهى قديم، أو سوق أسبوعي، أو زقاق ضيق، قد يحمل طبقات من الذكريات: ذكرى العائلة، ذكرى الحرفة، ذكرى الهجرة، ذكرى الاحتفال، أو ذكرى الصراع والفقر والمقاومة.
نقترح هنا مفهوم الذاكرة الحضرية بوصفه ذاكرة تتجاوز العقل الفردي، وتتجدد في الممارسات المكانية. فالجدة التي تعرف اسم كل جار، والبائع الذي يحفظ أذواق زبائنه، والشاب الذي يعود إلى الحي بعد سنوات من الغياب، والمعلم الذي يروي للطلبة تاريخ المدينة، جميعهم يشاركون في إنتاج هذه الذاكرة.
غير أن الذاكرة الحضرية ليست دائما ذاكرة ديمقراطية. فقد تستبدل أحياء شعبية بأحياء سكنية جديدة، وتمحى أسماء أماكن تحمل تاريخا اجتماعيا، وتتحول الأحياء القديمة إلى فضاءات للاستهلاك السياحي أكثر من كونها فضاءات للسكن والانتماء. وهنا يظهر الخطر: أن تتحول الذاكرة إلى سلعة، أو إلى ديكور يعرض على الزائر، بينما يفقد ساكنها الأصلي قدرته على العيش والبقاء.
لذلك، يتجاوز السؤال الأخلاقي مسألة الحفاظ على الماضي ليشمل سؤالين أساسيين: لمن تخص الذاكرة؟ ومن يملك حق تقرير مستقبل المكان؟ إن الذاكرة الحضرية العادلة هي التي تمنح السكان أنفسهم حق الرواية، وتضمن حضور أصواتهم في كتابة تاريخ المكان وتحديد مستقبله.
الفضاء العام وأخلاق القرب
تبنى المدينة المغربية تقليديا على شبكة من العلاقات القريبة: الجار، صاحب الدكان، الحلاق، الخباز، الطبيب، المدرسة، والمسجد. هذه العلاقات تنتج ما يمكن تسميته أخلاق القرب : التزام غير مكتوب بالاعتراف بالآخر، ومساعدته عند الحاجة، واحترام حدوده، والمشاركة في أفراحه وأحزانه.
غير أن أخلاق القرب ليست بريئة تماما. فهي قد تتحول إلى رقابة اجتماعية، أو إلى ضغط على الفرد، أو إلى استبعاد للغريب والفقير والمرأة والشاب المختلف. كما أن المدينة المعاصرة تنتج أشكالا جديدة من العزلة: سكن مغلق، طرقات سريعة، مراكز تجارية، وشاشات تحل محل اللقاء.
ومع ذلك، لا ينبغي التسليم بفكرة أن المدينة الحديثة تلغي العيش المشترك بالضرورة. فالمساحة العامة، حين تدار بعدالة، يمكن أن تكون مدرسة للديمقراطية اليومية. فالحديقة، والساحة، والمكتبة، ووسيلة النقل، والسوق، كلها أماكن يتعلم فيها الفرد أن يشارك الفضاء مع من لا يشبهه. إن العيش المشترك يبدأ من القدرة على تقاسم مكان واحد مع اختلاف الآخرين، ويتجسد في الممارسات اليومية التي تمنح الخطابات الكبرى عن الوحدة الوطنية معناها الاجتماعي.
وهنا يمكن القول إن الحق في المدينة يشمل السكن والحضور والتنقل والعمل والتعبير والذاكرة والمشاركة في صناعة الفضاء المشترك. وقد ارتبطت فكرة الحق في المدينة عند لوفيفر بمساءلة طريقة السكن واستخدام الفضاء الحضري، وبإعادة التفكير في علاقة الإنسان بمحيطه الاجتماعي والعمراني.
المدينة الرقمية : نحو فلسفة للعيش المشترك
لم تعد المدينة اليوم محصورة في فضائها المادي. فقد أصبحت أيضا فضاء رقميا. فالتطبيقات، والشبكات الاجتماعية، والدفع الإلكتروني، ومجموعات الحي على واتساب، كلها تعيد تنظيم الزمن اليومي والعلاقات الاجتماعية.
من جهة، قد يوسع الرقمي إمكانات المشاركة: ينظم السكان حملة لتحسين طريق، أو يتبادلون معلومات عن الخدمات، أو يوثقون تراجع مكان عام، أو يكشفون مشكلة في الحي. ومن جهة أخرى، قد يعمق الرقمي الفردانية، إذ يصبح الفرد حاضرا في الشاشة وغائبا عن الشارع، متصلا بالعالم ومقطوعا عن جاره.
كما أن الذاكرة الرقمية تختلف عن الذاكرة الحضرية التقليدية. فالصور والفيديوهات والمنشورات تحفظ لحظات سريعة، لكنها قد لا تحفظ معنى المكان ولا صلته بالحياة اليومية. إن أرشيفا رقميا عن حي ما لا يعادل بالضرورة ذاكرة ساكنيه، لأن الذاكرة تتشكل من علاقة حية بين الناس والمكان، وتتجاوز مجرد تراكم الصور والوثائق.
لذلك، لا بد من سؤال نقدي: هل يمكن للرقمنة أن تخدم الذاكرة الحضرية، أم أنها تنتج ذاكرة سطحية سريعة الاستهلاك؟ الجواب يعتمد على ما إذا كانت التقنية أداة في خدمة السكان، أم أن السكان أصبحوا مجرد مستهلكين لخدمات رقمية تدار من بعيد.
نقصد بفلسفة مغربية للعيش المشترك، فلسفة تنطلق من التجربة المغربية، وتنفتح على الأسئلة الإنسانية العامة: العدالة، الكرامة، الذاكرة، الفضاء، والاعتراف. وتستمد هذه الفلسفة خصوصيتها من واقعها الاجتماعي والثقافي، مع احتفاظها بأفق إنساني يتجاوز الحدود المحلية.
يمكن صياغة مبادئها على النحو الآتي:
- الزمن حق اجتماعي: ينبغي أن تتوفر للمدينة مساحات وأوقات للقاء والفراغ والمشاركة، بما يضمن التوازن بين متطلبات السوق والعمل وحاجات الحياة الاجتماعية.
- الذاكرة حق جماعي: ينبغي إشراك سكان المكان في القرارات المرتبطة بتغييره، مع احترام ذاكرتهم الجماعية وعدم حصر سلطة القرار في أصحاب رأس المال.
- الفضاء العام مدرسة للديمقراطية: الحدائق والساحات ووسائل النقل والأسواق تؤدي وظائف اجتماعية وتربوية، وتسهم في ترسيخ قيم التعايش والمشاركة.
- القرب رافد من روافد الحداثة: يمكن للتنمية أن تحترم شبكات الصلة الاجتماعية وتحافظ على تماسكها، مع تطوير شروط الحياة الحضرية.
- الرقمنة في خدمة الحضور: تكتسب التقنية قيمتها الاجتماعية حين توسع مشاركة السكان، وتعزز التواصل المباشر، وتدعم الروابط الإنسانية داخل المدينة.
إن المدينة المغربية المعاصرة تحمل تناقضا واضحا: فهي تنتج فرصا غير مسبوقة للتنقل والاتصال والعمل، وقد تضعف في الوقت نفسه شروط العيش المشترك. ومن هنا، فإن الفلسفة مدعوة إلى تجاوز وصف الأزمة، والمساهمة في تخيل بدائل تفتح إمكانات جديدة للحياة المشتركة.
خاتمة
إن الزمن اليومي والذاكرة الحضرية يشكلان مدخلين أساسيين لفهم أزمة المعنى في المدينة المعاصرة. فحين يفقد الإنسان زمنا للقاء، وذاكرة للمكان، وفضاء للمشاركة، فإنه يفقد جزءا من قدرته على الانتماء والتضامن، إلى جانب ما يتراجع من شروط راحته واستقراره.
المدينة المغربية تتشكل من البيوت والطرقات والمحلات، وتحمل في تفاصيلها أرشيفا حيا للتجربة الإنسانية، ومختبرا يوميا للعلاقات الاجتماعية. وإذا أردنا فلسفة مغربية حقيقية للعيش المشترك، فعلينا أن نبدأ من الأسئلة الصغيرة التي يطرحها الناس في حياتهم اليومية: من يملك الحق في البقاء في هذا الحي؟ لماذا اختفى المكان الذي كنا نجتمع فيه؟ كيف نحمي وقت اللقاء من ضغط العمل والسرعة؟ وكيف نجعل المدينة مكانا يعيش فيه الناس معا، ويجدون فيه شروط الانتماء والمشاركة والاستقرار؟
إن مستقبل العيش المشترك في المغرب يرتبط بالقدرة على إعادة الاعتبار للزمن اليومي، وحماية الذاكرة الحضرية، وفتح الفضاء العام أمام الجميع. فالمدينة العادلة تستمد قيمتها من قدرتها على الجمع بين التحديث العمراني والإنصاف الاجتماعي، ومن تمكين ساكنيها من الحضور والفعل والتذكر والعيش معا.
المراجع :
- هنري لوفيفر، نقد الحياة اليومية، المجلد الأول، ترجمة عربية منشورة ضمن العدد الخامس من مجلة أوستور، معهد الدوحة للدراسات العليا.
- هنري لوفيفر، إنتاج الفضاء، أعمال مترجمة ومقدمة في الدراسات العربية حول الفضاء الاجتماعي والمدينة.
- فتحي التريكي، فلسفة الحياة اليومية، دار ومكتبة الحاوي، القاهرة.
- زهير الخويلدي، “الحياة اليومية من حيث هي موضوع فلسفي”، موقع الأنتولوجيا، 2024.
- “نقد الحياة اليومية عند هنري لوفيفر: بذور التمرد الكامن”، مجلة المجلة، مقال تحليلي حول مشروع لوفيفر النقدي.
- عبد الرفيع حمضي، زمن الناس وتوقيت الدولة: مقالات على هامش الأحداث، إصدار مغربي حديث يتناول تحولات المجتمع المغربي وعلاقته بالمؤسسات.